ممتلكات الوالد
يجلس أخي في الحمام لساعات يستحم، وهو يغني بصوته المرعب، ويسكب الماء الذي يأتينا من البحر، بأسعار رمزية، بينما يكلف الحكومة مبالغ طائلة في التحلية، في البالوعة.
البيئة الصحراوية الحارة تجبرنا على الاستحمام يومياً، إلا أنها لا تدفعنا للتفكر في مصدر المياه المهدورة وقيمتها النابعة من ندرتها، لا نشعر بذلك إلا عندما يتم رفع تعرفة الاستهلاك، فتتعالى أصواتنا احتجاجاً، ثم ما الفرق بين من يستحم في خمس دقائق ومن يغتسل في ساعة، فكل منهما تفوح من إبطيه النسائم العطرة نفسها بعد نصف ساعة تحت أشعة الشمس.
إذا انتقلت من حارة لأخرى في الشارع، وبطريقة قانونية، فإن من خلفك «يصدعك» ببوق السيارة والضوء العالي، وإن كان أكثر وقاحة، فإنه يحاذيك وينزل زجاج سيارته ليعطيك المقسوم من الشتائم الجسدية، وبينما أنت تحاول أن تتمالك نفسك وتهون عنها بأنه مراهق أحمق أو يعاني من تضخم الأنا العليا، ترى كيس «كافتيريا» يطير من نافذة السيارة التي أمامك، فتتناثر منه بقايا الطعام والمحارم الورقية.
في المدرسة كانت كراسي الباصات التي تحملنا ذهاباً وإياباً ممزقة، وتفوح منها رائحة الأطعمة الفاسدة المخبئة بين المقاعد، وفي الجامعة كانت الطاولات محطمة، وعليها رسومات جماجم وعظام، وقلوب مكسورة، وعبارات حب أو بطولة، أو شتائم لأمهات وآباء دكاترة بعينهم.
تدخل حماماً من الحمامات العامة، وتجد أن من لبى نداء الطبيعة قبلك كان متحمساً، ووزع فضلاته في كل مكان بالتساوي، وعندما تهم بالخروج ترى على الباب شعار أحد الأندية، وعبارات تشيد به أو تحط من قدره، وحولها جمل ورسومات بذيئة.
«أيام زمان»، وقبل «الموبايل» كان بعضهم يستخدمون الهاتف العمومي وهم يدخنون، وينهون المكالمة وهم يطفئون سجائرهم في شاشة الجهاز.
كثيرون يستخدمون المرافق والممتلكات العامة كأنها ملك لآبائهم، وعندما تسأل أحدهم مثلاً عن سبب إلقائه لبقايا طعامه في الشارع، أو «تخييسه» للحمام العمومي، فإنه يجيب، «هناك عمال نظافة يتقاضون رواتب، وأريد أن (أحللها) لهم، لذلك أنا أدعوا وبشدة أن تكون هناك رسوم مالية على استخدام جميع المرافق العامة، وأن تحسب علينا القيمة الفعلية للخدمات التي نستخدمها كالماء والكهرباء والغاز والبنزين، فمن يريد أن يشعر الآخرين بأن هذه المرافق والخدمات ملك لأبيه، أو يجعل رواتب العاملين عليها حلالاً، عليه أن يدفعها من جيبه أو جيب (الوالد) أولاً».
|