الافكار الملطوشة والتطور البشري

حدثني شخص عزيز أن فندق اطلانطس في نخلة جميرا هو ثمرة فكرة مسروقه من شاب تقدم بها لأحد برامج دعم مشاريع الشباب, ووجدت كلامه ظريفا, ليس لأني اعتقدت انه “يخرط”, بل لأن الشاب المزعوم ان وجد لايستحق الثناء فضلا عن ان يصبح شخصا مهما بفضل خياله الواسع.
البشرية تتطور لأن البشر يتعلمون من بعضهم البعض, ولا احد يريد ان يعيد اختراع العجلة, ومن يريد ان يعيد اختراعها لكي لايسرق افكار الاخرين فهو “عبيط”, وللدلالة على ذلك تخيل عزيزي القارئ أيا من اختراعات البشر وستجد ان له اصلا اقل منه تطورا كان في زمن سابق اختراعا بحد ذاته, فمثلا السيارة لم تولد من رحم اللاشئ, بل هي تطوير لفكرة القطار البخاري الذي يسير بقوة دافعه ذاتية على سكة محددة, والقطار هو تطور لفكرة العربة الخشبيه التي يجرها الحصان الذي يمرض ويموت او تكسر ساقة فيقع فارسه وتدق عنقه و”ويفطس”, الحصان فالعربة فالقطار فالسيارة هي نموذج التطور البشري, فالبشر دائما ينظرون للموجود ويتساؤلون : مالتالي؟.
قرأت أن مخترع الهاتف جراهام بيل وبعد مدة طويلة قضاها في الابحاث مع مساعده سافر لمركز تسجيل براءة الاختراعات لتسجيل براءة اختراعه, ووصل في الساعه الواحدة ظهرا, وانه في نفس اليوم في الساعه الرابعة عصرا وصل شخص آخر قادم من منطقة أخرى بعيدة, لتسجيل اختراعه للهاتف, ولربما كانت كتب التاريخ لتذكر اسما اخر غير بيل لو وصل المخترع الآخر مبكرا.
بغض النظر عن صحة او دقة تفاصيل القصة, فالمغزى انه في احيان كثيرة وفي وقت متقارب, تظهر لدى بعض الناس فكرة معينة دون ان يلتقوا ببعضهم او تكون هناك فرصه لانتقال الفكرة من واحد منهم للآخرين, يسمى البعض هذا الامر بتوارد الخواطر, لكنني اعتقد انه سر التطور البشري في النظر للواقع والموجود ومن ثم التساؤل عن الخطوة التالية.
في القرن التاسع عشر كانت اليابان دولة فقيرة ومتخلفة وأراد الامبراطور لبلاده ان تتطور وتماشي الغرب, فأرسل طالبا مجتهدا اسمه “دايهاتسو” الي أوروبا على حسابه الخاص ليتعلم صنع المحركات, فكان هذا الطالب يوميا يفكك محركا كاملا قطعه قطعه ومن ثم يعيد تركيبه, وبعد سنين عاد دايهاتسو النابغه الى بلاده ليؤسس اول مصنع سيارات ياباني بإسمه, وتكون نتيجه دخول المحركات الى اليابان التطور العكسري الهائل قبيل الحرب العالمية الثانية ومن ثم التطور الصناعي والاقتصادي, واليوم أكثر من نصف السيارات حول العالم يابانية الصنع.
في ثمانينات القرن الماضي قررت شركة تويوتا التي كانت سياراتها تشبه صناديق الخضار, ان تنافس السيارات الالمانية في الفخامة, فأشترت عددا من سيارات مرسيدس وقامت باحثوها بتفكيك السيارات قطعه قطعه لمعرفة سر تفوق مرسيدس, وبعد ذلك أسست مصنعا في الولايات المتحده ينتج اليوم سيارات لكزس التي تنافس مرسيدس في الفخامه وتتفوق عليها في الكفاءة, خصوصا في المناخات الصعبه كالخليج حيث “يموت” الناس في لكزس.
القصتان السابقتان توضحان كيف ان الانسان من الممكن ان يتعلم من غيره ومن ثم يتفوق عليه, وكم سنضحك اذا سمعنا الاوروبين يقولون ان تطور اليابان هو نتيجه افكار الاوروبيين المسروقة, وسيكون مضحكا اكثر لو خرج علينا موظف كبير في مرسيدس ليتهم تويوتا بسرقة تصاميم سيارت شركته, وحتى ان حدث فالتصريحات الحمقاء لن تزيد ارباح مرسيدس ولن تنقص ارباح تويوتا,
في سنة ١٩٧٦ قام ستيف وزنياك بتصميم جهاز كمبيوتر لاستخدامه الشخصي, واصر صديقه ستيف جوبز على ان الجهاز صالح للبيع, فتأسست شركة آبل من مرآب والدي جوبز, وتحولت لاحقا لمؤسسة مساهمه بتمويل رجل اعمال امريكي كبير, وبعد سنوات من النجاح اختير جون سكالي كمدير تنفيذي نظرا لخبرته في التسويق, دار بين سكالي وجوبز خلاف بشأن مسأله تسويقيه ودعم مجلس الملاك توجه سكالي الخبير وازيح جوبز من منصبه فأستقال وباع اسهمه واسس شركة بكسار انيميشن واشترى شركة نكست للبرمجيات, بعد اثني عشر عاما من اخفاقات آبل وتفوق مايكروسوفت بالشراكة مع آي بي ام, وتغيير المدير التنفيذي ثلاث مرات, اشترت آبل شركة نكست فعاد جوبز للشركة واختير مديرا تنفيذيا لها, ومازال الى اليوم والشركة في نجاح مستمر.
قصة جوبز الناجح توضح كيف ان الانسان لابد ان يجعل من نفسه ركنا اساسيا في محيطه اذا اراد الاستمرار, فالملاك ناكروا الجميل (آبل حولت ٣٠٠ شخص من حملة الاسهم الى أثرياء في عامين) نسوا فضل ومجهود جوبز في تأسيس الشركة وركلوه في مؤخرته وسرقوا جهوده ليرحل عنهم ويكتشفوا بعد سنين من العناد والتجارب انه هو بحبه للشركة وذكاءه في فهم السوق والمستهلكين كان سر نجاح الشركة وليس اموالهم, فعاد وعاد ملكا.
أصل ختاما الى الاعتقاد ان المسؤول حين يرى مشروع النخلة السكني مشيدا فوق الماء سيتساءل مالتالي؟, ثم سيرى مطعم برج العرب المائي او الفنادق المائيه في مدن عالمية فيقول فلأطبق هذه الفكرة واطورها, وحتى ان فرضنا ان المسؤول اطلع على فكرة الشاب واعجبته “فلطشها”, أليس صحيحا ان الشاب لم يكن لديه من الوسائل العلمية والهندسية اللازمة لاقامة المشروع سوى فكرة تسهل سرقتها؟
|